حسن الأمين
155
مستدركات أعيان الشيعة
ألحاظنا جرحتك حين تعرضت لك ، أم أديمك جوهر شفاف ؟ وله : إذا ذكرت أياديك التي سلفت مع سوء فعلي وزلاتي ومجترمي أكاد أقتل نفسي ثم يمنعني علمي بأنك مجبول على الكرم وكان مرة راكبا مع جماعة فنزلوا بروضة فيها الشقائق والأقحوان فاستحسنوها ، فقالوا : تعالوا ننظم فيه شعرا ، ثم قالوا له : ابدأ أنت . فقال : كان الشقائق والأقحوان خدود تقبلهن الثغور فهاتيك يخجلهن الحياء وهاتيك يضحكهن السرور ومن شعره : بكرت تنظر شيبي وثيابي يوم عيد ثم قالت لي بهزء : يا خليقا في جديد لا تغالطني فما تصلح إلا للصدود وكان سديد الملك مقصودا ممدوحا من الشعراء وخاصة أثناء سنوات إقامته في طرابلس ، فقد مدحه الشاعر الدمشقي ابن الخياط صاحب الديوان ، والشاعر الخفاجي ، وشرف الدين بن الحلاوي شاعر الموصل ، وابن مزاحم الصوري الذي أنشده بعد نزوله في طرابلس في شهر جمادى الأولى سنة 464 ه ، وأبو يعلى الأقساسي الذي أنشده بطرابلس أيضا في 21 شوال سنة 464 ه ، وعبد الله بن الدويدة المعري وكان قد كتب لسديد الملك حين وفد عليه الشاعر ابن الخيشي في طرابلس : يا علي بن منقذ يا هماما حين يدعى الوغى يعد بجيش قد أتاك الخيشي في وسط آب بقريض يغنيك عن بيت خيش وكتب ابن الخيشي وهو في طرابلس هذه الأبيات لسديد الملك بعد أن خرج منها . إني وحقك في طرابلس كما تهوى العدي تحت المقيم المقعد أما « المحرم » قد حرمت نجاز ما وعدوا وفي « صفر » فقد صفرت يدي قالت لي العلياء لما أن سقوني كأس مطلهم سكرت فعربد وعند ما نزل سديد الملك طرابلس التقى فيها بالشاعر ابن حيوس ، صاحب الديوان ، وكان يميل إلى الفاطميين ، فنصحه سديد الملك أن يغادر المدينة إلى حلب ويقصد تاج الملوك محمود لأن بني عمار لا يميلون إلى الفاطميين ، وعند ما رحل إلى حلب كتب اليه قصيدة أولها : أما الفراق فقد عاصيته فأبى وطالت الحرب إلا أنه غلبا أراني البين لما حم عن قدر وداعنا كل جد بعده لعبا وكان بين سديد الملك وجلال الملك بن عمار صاحب طرابلس مودة أكيدة . وقد لعب دورا مؤثرا في وصول جلال الملك إلى حكم إمارة طرابلس . ويسجل سديد الملك محبته لجلال الملك بعد مغادرته طرابلس بقوله : أحبابنا لو لقيتم في مقامكم من الصبابة ما لاقيت في ظعني لأصبح البحر من أنفاسكم يبسا كالبر من أدمعي ينشق بالسفن ومن دلائل الروابط الأسرية الحميمة التي كانت تربط بين الأميرين أن الأمير نصر بن سديد الملك كان سفيرا لجلال الملك إلى الأمير حصن الدولة حيدرة بن منزو الكتامي الذي كان واليا على دمشق حيث خطب منه ابنته لجلال الملك وأحضرها من دمشق إلى طرابلس لما تزوجها . وجاء في « ذيل تاريخ دمشق » لابن القلانسي ، أن سديد الملك ممن ينسب إلى عمل الشعر ، وكان من أبلغ أهل الشام في معرفة أهل اللغة والنحو ، وكان بينه وبين ابن عمار صاحب طرابلس مودة وكيدة ومكاتبات ، وسببه أنه كان له مملوك يسمى « رسلان » وكان زعيم عسكره ، فبلغه عنه ما يكره ، فقال له : اذهب عني وأنت آمن على نفسك ، فقصد ابن عمار إلى طرابلس وساله أن يسال سديد الملك في ماله وحرمه ، فسأله ، فأمر باطلاقهم . وكان قد اقتنى مالا كثيرا ، فلما خرج الرسول بالمال والحريم لحقه سديد الملك فظن أنه قد بدا له أمر ، فقال الرسول : غدرت بعبدك ورغبت في ماله ؟ فقال له : لا والله ، ولكن لكل أمر حقيقة . . حطوا عن الجمال والبغال أحمالها ، فحطوا ، فقال : أبصروا ما عليها . فنظروا ، فإذا في قدور النحاس خمسة وعشرون ألف دينار ، ومن المتاع ما يساوي مثلها وزيادة ، فقال سديد الملك للرسول : أبلغ ابن عمار سلامي وعرفه بما ترى لئلا يقول رسلان أنني أخذت ماله . ثم قام سديد الملك بزيارة جلال الملك وأقام عنده مدة . وذكر ابن تغري بردي أنه كان لسديد الملك ديوان شعر مشهور ولكن ضاع على ما يبدو . وكان من الشخصيات الفذة في عصره ، وقد قيل فيه انه لو جعل إقامته بمصر بدلا من طرابلس لكانت الدولة الفاطمية في قبضته . وحول هذا ينقل « ابن العديم الحلبي » في مخطوطة « بغية الطلب في تاريخ حلب » من خط سديد الملك قوله : « والأمير سديد الملك مقيم بالجسر لعلمه أن الدار قد أعضل . وكان سبب ذلك أن الأمير بهاء الدولة ابن الملك فنا خسرو ، وهو خاله ، قد نزل مصر لما تولى ابن أخته حلب ، وكانت جاريته قد اعتقلها أمير الجيوش بدر بمصر وأراد أن يضرب رقبتها لأنها كانت أوفى طبقة في الغناء ، فكان الأمراء بمصر يتقاتلون عليها ، فقتل من أجلها عدة من الأمراء ، فقال فنا خسرو خسرو لسابق بن محمود صاحب حلب : ما يقدر أحد أن يخلص جاريتي وأولادي إلا الأمير سديد الملك فإنني رأيت له بمصر صيتا وافيا ، وقال من بها : لو جعل مقره بمصر عوض طرابلس كانت الدولة في قبضته ، فثقل على الأمير ، إلى أن كتب وسير إلى أمير الجيوش في أمر الجارية . فقال : والله ما أردت أخرجها أبدا من الحبس ولكن لا أرد مسألة ذلك المحتشم . فسيرها إلى طرابلس إلى دار جد سديد الملك ، فأحضرها إلى حلب ومعها ابناها . وقد سئل الأمير أسامة بن منقذ صاحب كتاب « الاعتبار » عن وفاة جده سديد الملك فقال مات سنة 475 وقيل توفي سنة 479 ه . ( 1 ) قال الذهبي في ( سير أعلام النبلاء ) : كان بطلا شجاعا جوادا فاضلا ، أول من ملك شيزر من بيته لأنه كان نازلا في عشيرته هناك والحصن في يد الروم فنازلهم وتسلمه بالأمان في سنة اربع وسبعين ، ودام لبنيه حتى تهدم من الزلزلة سنة اثنتين وخمسين وخمس مائة ، وهلك من بالحصن من آل منقذ فعمرة نور الدين . وكان لسديد الملك نظم رائق وفطنة وذكاء ، ومات في الزلزلة حفيده تاج الدولة محمد بن سلطان . توفي سديد الملك سنة بضع وسبعين وأربع مائة . علي بن المقرب الأحسائي : مرت ترجمته في مكانها ، وننشر هنا بعض أشعاره : أتدري الليالي اي خصم تشاغبه وأي همام بالرزايا تواثبه
--> ( 1 ) عمر تدمري .